محمد سالم أبو عاصي

125

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

وهذا المعنى جار في تقييد المطلق . فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيّده ، فلا إعمال له في إطلاقه ، بل المعمل هو المقيّد . . فكأن المطلق لم يفد مع مقيّده شيئا ، فصار مثل الناسخ والمنسوخ . وكذلك العام مع الخاص ؛ إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ ، فلما جاء الخاص ؛ أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار ، فأشبه الناسخ والمنسوخ ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة ، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص ، وبقي السائر على الحكم الأول . . فلما كان كذلك ؛ استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد " « 1 » . ثم يورد الشاطبي بضعا وعشرين قضية نسخ ، رويت عن الصحابة والتابعين ، ليستدل بها على أن مدلول النسخ عند الصحابة كان أوسع منه عند الأصوليين . ونحن نجتزئ بعض هذه القضايا ، معقبين على كل منها برأي جمهور الأصوليين فيها . . 1 - أولى هذه القضايا ما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه قال في قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [ سورة الإسراء : 18 ] إنه ناسخ لقوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [ سورة الشورى : 20 ] . وهو على هذا التحقيق تقييد لمطلق ؛ إذ كان قوله : نُؤْتِهِ مِنْها مطلقا ، ومعناه مقيد بالمشيئة ( وهو قوله في الأخرى : ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ) . وإلا . . فهو إخبار ، والأخبار لا يدخلها النسخ « 2 » .

--> ( 1 ) الموافقات ، 3 / 108 ، 109 . ( 2 ) الموافقات ، 3 / 109 .